عبد الملك الجويني

192

الشامل في أصول الدين

والجواب عن ذلك أن نقول : هذا غير لازم ، فإن القدرة لا يجب تعلقها بجميع المقدورات لكونها قدرة ولا لكونها قديمة ، وإنما علمنا وجوب تعلق القدرة بجميع المقدورات بدليل آخر سوى قدم القدرة ، وتلك لدلالة إنما تستقيم لو اتحد الإله ، وإذا قدرنا [ قديمين ] بطلت تلك الدلالة ، وليس يمكنكم أن تسلكوا مثل هذا المسلك ، فإنكم حكمتم بتماثل الذاتين ، ويجب لأحد المثلين ما يجب للآخر ، ونحن لا نحكم بتماثل القدرتين القديمتين ، فإن الاجتماع في القدم لا يوجب التماثل في سائر الصفات عندنا . فهذه جملة مقنعة توضح صدهم عن طرد دلالة التمانع . وقد ذكر المعتزلة فصولا راموا بها الطعن على أهل الحق في دلالة التمانع . منها أنهم قالوا : من حكم المقدور على مقتضى أصلكم أن تقارن القدرة وقوعه على الجواب ، وهذا يوجب وجود مقدور كل واحد من القديمين ، وذلك يبطل التمانع . وهذا الذي ذكروه واضح البطلان ، فإنا إنما نقول بوجوب اقتران القدرة والمقدور في حقوق المحدثين بالقدرة المحدثة ، وكيف يتوهم ذلك في قدرة القديم ، وهي قديمة ، ولو قارنها مقدورها ؛ لزمه قدمه ، واستحالة قدم الفعل مدركة بضرورة العقل ، فبطل ما عولوا عليه . فإن قالوا : ما ذكرتموه في القدرة الحادثة ، يلزمكم مثله في القدرة القديمة . قلنا : هذا تحكم منكم ، واقصار على حض الدعوى . فلم قلتم : إن ما يثبت للقدرة الحادثة من الأحكام ، يجب الحكم بثبوت مثله في القدرة القديمة ، وهذا ما لا يجدون فيه جمعا ، فيلزمنا الفصل بعد جمعهم ، وسنستقصي في كتاب « القدر » وجوه الفصل بين القدرتين . ومما يعارض كلامهم أن نقول : لو جاز الحكم بتساوي القدرتين ، لجاز الحكم بتساوي أحكام الوجودين حتى يكون حكم الإله في وجوده من كل وجه ؛ حكم سائر الموجودات . وهذا يجر إلى ضروب من الجهالات . وأقرب شيء يعارضون به أن يقال : إن لم يبعد منكم نقض العلة والمصير إلى أن العالم منا عالم لعلمه ، والقديم عالم لنفسه ، وهذا فصل بين العالمين والقادرين ، وهو مفضي إلى نقض العلة ، فلا تستبعدون مثل ذلك في العلمين والقدرتين ، ووضوح ذلك يغني عن بسطه . ولهم أسئلة تداني ما قدمناه ، ونحن نشير إلى ذكرها والجواب عنها موجزين